منفذ ثامن: كم لبِثْنا؟



أدركتُ مؤخراً أن المرء يتعافى بخلوته. بعد كل مرةٍ أحطتُ نفسي فيها بالأصدقاء
والمعارف والأقرباء ثم انزويتُ على ذاتي في خضمِّ أدفأ لحظات الأُنس
لأنني احتجتُ لتذكير نفسي بضرورة أن يضع الإنسان نفسه بمنأىً
عن فخاخ الحياة. 

فكما تعلم عزيزي القاريء، وأعلم أنا، و جارتي التي تقطن برفقة قطتها
المرقطة، وجميع من يعيش في أيامنا هذه، أن الحياة باتت تتفرّس
كل لحظات أنسنا لتُصيِّرها إلى ذكرياتٍ نعود إليها بعد أعوامٍ في دجى
غمرة حنين. 

ولكن كلا وحاشا، ما عادت فِخاخها تؤتي أكلها.
ما عدنا ببراءة الحمل الذي سلب لبُّه لمعان الذهب في حقول الذرة التي على الضفة
الأخرى، فوثب خارج أحضان أمه وتلقفته الذئاب.

كلا، ما عدنا نمد إلى الحياة أيادينا كرضيعٍ يترنح بخطواته الأولى
نحو أمه، كي تدير لنا ظهرها و نهفو على وجوهنا.

عزيزي القاريء، أعتذر -وليس من شيمي الإعتذار- على إقحامك في هذا النص
الركيك الذي ما هو إلا محاولةٌ مني لإستعادة لياقة الكتابة و الهرب
من وحدتي. 

أعلم بأن غبار منافذي قد أرّق جيوبك الأنفية، و أن صرير
الريح من نوافذها التي نسيتها مشرعةً قد جَعْجَع أُذنيك.
بيد أنني -وكما آمل بأن تكون قد فهمت الآن- أمتهن الإنزواء.
لقد انزويتُ حتى من منافذي هذه التي لا يرتادها سواك
وطيفي.

حتى أنه يُخيَّل إليّ أنها من فرط الحنين إلى الأنس
باتت تتلقف كلماتي هذه دون أدنى تركيزٍ
مني و إدراكٍ لما أكتب.

اعذرني مجدداً على هذه المشاعر المشتتة.
فأنا أحاول عبثاً أن أشبع صبابتها إلى الأنس مجدداً.
إلى كلماتي الركيكة.

Comments

Popular Posts